صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

272

شرح أصول الكافي

العقل من الجنس والفصل لاشتراكها مع الأجسام في الجوهرية وامتيازها عنها بفصلها المميز عن ما عداها ، واللّه برئ من الامكان ، فهو برئ من التركيب مطلقا . فذاته غير شيء من الأسماء والصفات الملفوظة أو المتوهمة ، إذ كل واحد منها لتركبه وحدوثه مخلوق دال على أن له خالقا ، وقد علمت أن خالق الشيء ليس مثل خلقه ولا من جنسه ، وأيضا يلزم افتقاره إلى خالق آخر ، فيتسلسل الامر إلى لا نهاية . وقوله عليه السلام : فقولك ان اللّه قدير إلى قوله : سواه ، إشارة إلى كيفية اتصافه تعالى بمعاني الأسماء والصفات بحيث لا يوجب كثرة فيه ولا معنى زائدا عليه بحيث يحتمله عقل السائل ، فان أكثر الناس لا يسعهم ان يعقلوا من القدرة والعلم وغيرهما من الصّفات الكمالية الّا مثل ما تصوروه ووجدوه من نفوسهم ، وهي كيفيات نفسانية وحالات أو ملكات حيوانيّة ، ولم يعلموا انّ معنى واحدا قد يكون له انحاء من الوجود بعضها أرفع من بعض ، ولا « 1 » انّ هذه المعاني كلّها موجودة بوجود واحد فيه تعالى على وجه أعلى واشرف وابسط . فلأجل هذه العلة أرجع عليه السلام معاني الصفات الحقيقية فيه تعالى إلى سلوب اضدادها لئلا يتوهم معنى زائد فيه ، كما جعل الحكماء وحدته تعالى عبارة عن نفي الكثرة عنه ، فكذلك جعل قدرته عبارة عن نفي العجز وعلمه عبارة عن نفي الجهل ، وعلى هذا القياس سمعه راجع إلى نفي الصمم وبصره إلى نفي العمى وحياته إلى نفي الموت ، فهذا نحو من المعرفة لائقة بحال الجمهور من الناس إذ لا يسع عقولهم أزيد منها . وقوله : وإذا افنى اللّه الأشياء إلى قوله : عالما ، استدلال على بيان المغايرة بينه وبين صورة الأسماء والصفات وهجاها وتقطيعها من جهة النهاية ، كما انّ المذكور سابقا من جهة البداية ، إذ كلّ حادث فان وكل أزلي باق ، فكان المذكور هناك أن لفظ العلم حادث وعلم اللّه أزلي فيكون غيره ، والمذكور هاهنا ان لفظ العلم يفني ، ولا يزال عالما من لم يزل عالما فيكون غيره . ولما كان في ارجاع السمع في حقّه تعالى إلى مطلق العلم نوع خفاء عاد الرجل فقال : فكيف سمينا ربّنا سميعا ؟ فأجاب عليه السلام عنه بارجاعه إلى عدم خفاء المسموعات عنه من غير افتقار إلى آلة وقوة دماغية ، فسمعه تعالى عبارة عن علمه

--> ( 1 ) - اي : ولم يعلموا .